محمد بن جرير الطبري
142
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدا له بعد القدرة عليه . وإذ كان كذلك ، فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران ، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها أو السجن . فإذ كان كذلك ، فلا شك أنه إذا نفي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم ينف من الأرض ، بل إنما نفي من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض ، كان معلوما أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها ، فيكون منفيا حينئذ عن جميعها ، إلا ما لا سبيل إلى نفيه منه . وأما معنى النفي في كلام العرب : فهو الطرد ، ومن ذلك قول أوس بن حجر : ينفون عن طرق الكرام كما * ينفي المطارق ما يلي الفردا ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء : النفاية . وأما المصدر من نفيت ، فإنه النفي والنفاية ، ويقال : الدلو ينفي الماء . ويقال لما تطاير من الماء من الدلو النفي ، ومنه قول الراجز : كأن متنيه من النفي * مواقع الطير على الصفي ومنه قيل : نفى شعره : إذا سقط ، يقال : حال لونك ونفى شعرك . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعني جل ثناؤه بقوله : ذلِكَ هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا في الدنيا ، من قتل ، أو صلب ، أو قطع يد ورجل من خلاف لَهُمْ يعني لهؤلاء المحاربين خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يقول هو لهم شر وعار وذلة ، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة ، يقال منه : أخزيت فلانا فخزي هو خزيا . وقوله : وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يقول عز ذكره لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فلم يتوبوا من فعلهم ذلك ، حتى هلكوا في الآخرة مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا ، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم ، يعني : عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ حد المحارب اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك إلا الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الحرب لله ولرسوله ، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام ، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم ، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي حملها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، من قتل ، أو صلب ، أو قطع يد ورجل من خلاف ، أو نفي من الأرض ، فلا تباعة قبله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين في مال ولا دم ولا حرمة قالوا : فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة ، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه ، بل توبته فيما بينه وبين الله ، وعلى الإمام إقامة الحد الذي أوجبه الله عليه وأخذه بحقوق الناس . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ حد المحارب نزلت هذه الآية في المشركين ، فمن تاب منهم من قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل ، وليس تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه ، ذلك يقام عليه الحد الذي أصاب . حدثنا بشار ، قال : ثنا روح بن عبادة ، قال : ثنا شبل ، أن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ حد المحارب قال : هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئا في شركهم ، فإن الله غفور رحيم إذا تابوا وأسلموا . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي ، نجيح ، عن مجاهد : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً